مقالة جميلة ل عبدالهادي راكان المجالي من عدد جريدة الرأي الاردنيه ليوم 18/4/2009
لي صديق يملك صالونا ستاتياً، اسمه (جيمي) وقد زرته أمس، هو ليس جيمي ، اسمه الحقيقي (جمعة) ولكن من اجل الضرورات المرتبطة بالعمل صار اسمه (جيمي) . كان يسجل مواعيد العمل، وقد قال للصبي الذي يعمل لديه: أجل موعـد مدام سميرة للساعة ''4''.
كل هذه المقدمة غير مهمة ولكن المهم... أن احدى السيدات جاءت اليه، استقبلها على الباب ثم جلست على الكرسي، وقالت له: ''جيمي كتير بصير عندي تئصف'' والتقصف أظن انه مرتبط بسقوط الشعر... أنا بصراحة يعجبني في ''جيمي'' أصلا ''الاسوارة'' التي يرتديها في يده والتي كلفتها تعادل رواتب (4) موظفي حكومه فئة ''رابعة'' .
عالج ''جيمي'' التقصف او التئصف ولا فرق.. وقام بقص شعرها ثم صباغـته واستمرت العملية اكثر من ساعتين بقليل... بعد ذلك أنهى جيمي ما طلب منه وجاء وقت الدفع قال لها.. ''إنت بتعرفي مدام سوسن أنو لك خسم "خصم" خاص ، وهاي المرة حسابنا بطلع 210 دنانير بس''.
طبعا.. دفعت مدام سوسن 210 دنانير... ''شندي بندي'' كما يقولون... وخرجت فرحه ....
تذكرت والدي.. فقد غادر الحياة على عجل دون ان يصل (الستين) من العمر... تذكرت راتبه التقاعدي حين كنت اصطحبه للبنك... كان المبلغ الذي يتسلمه (196) دينارا و(78) قرشا... واتذكر انه كان يعطيني قسيمة الراتب كي اعرف ما هي الخصومات.. التي حدثت عليه.
أبي امضى اكثر من 30 عاما في الخدمة العامة ، لم يترك مؤسسة الا وخدم فيها... وآخرها كانت شركة مصانع الفوسفات... وفي النهاية كان نتاج ال(30) عاما 196 دينارا فقط... بالمقابل جيمي في اكثر من ساعتين بقليل حصل على 210 دنانير.
أهي الحياة التي تظلمنا؟... أم ذاك الرضى الذي يغـمر القلب.. لم تلوح الشمس خد ''جيمي''.. لكن ابي كان يأتينا في أيام الصيف وقد إكتوى جبينه بالحر... وجيمي يده ناعـمة وأظافره لها طلاء خاص بها ، بالمقابل كانت اصابع أبي تشبه الصخر.
في مدينة عمان وحدها حصل (كوافير) ستاتي في ساعتين من الدلع والغـنج على ما تقاضاه ابي بعد (30) سنة من الخدمة في الدولة.
أصلا هذا زمن ''جيمي'' و زمن مدام سوسن... زمن شيء يسمى ''التئصف''... حتى تعالج المدام شعرها من ''التئصف'' دفعت هكذا مبلغ... وأنا أتذكر أني تأخرت فصلا دراسيا كاملا في الجامعة بسبب العـوز ،وألزمت أبي ان يدفع (120) دينارغرامة تاخير في النهاية عند عودتني لاستكمال الدراسه.
مات والدي... وقلبي ما زال يكتوي بالحسرة اني سببت له هذا الارهاق المادي... ليس مهما اذا ''تئصفت'' اعمارنا ولكن المهم ان لا "يتئصف'' شعر المدام.
لستُ افضل من أبي... بعد سنوات سأرتمي في منزلي.. وربما ستسعـفني قليل من الدنانير التي سيجود بها علي الضمان الاجتماعي... وسيبقى ''جيمي'' في المهنة وسيرتفع سعر معالجة "تئصف'' الشعر وقد يصل لالف دينار.. وقد أطلب من جيمي ان يقبل بتعييني "صبي كوافير" لديه.
سأختصر العمر ، ومن هذه اللحظة سأقدم اعتذاري لابنائي... فشلت أن أكون فاسدً كبيراً... أصلا حتى الفساد يحتاج لاحتراف.. وانا لا اريد التباهي بنظافة اليد... ولكني حاولت ان أكون فاسداً... ولم تسعفني المؤهلات..
فهل يوجد لدى الحكومة علاج يداوي من ( تئصف العُـمر) على ابواب البنوك ؟؟؟؟
كل هذه المقدمة غير مهمة ولكن المهم... أن احدى السيدات جاءت اليه، استقبلها على الباب ثم جلست على الكرسي، وقالت له: ''جيمي كتير بصير عندي تئصف'' والتقصف أظن انه مرتبط بسقوط الشعر... أنا بصراحة يعجبني في ''جيمي'' أصلا ''الاسوارة'' التي يرتديها في يده والتي كلفتها تعادل رواتب (4) موظفي حكومه فئة ''رابعة'' .
عالج ''جيمي'' التقصف او التئصف ولا فرق.. وقام بقص شعرها ثم صباغـته واستمرت العملية اكثر من ساعتين بقليل... بعد ذلك أنهى جيمي ما طلب منه وجاء وقت الدفع قال لها.. ''إنت بتعرفي مدام سوسن أنو لك خسم "خصم" خاص ، وهاي المرة حسابنا بطلع 210 دنانير بس''.
طبعا.. دفعت مدام سوسن 210 دنانير... ''شندي بندي'' كما يقولون... وخرجت فرحه ....
تذكرت والدي.. فقد غادر الحياة على عجل دون ان يصل (الستين) من العمر... تذكرت راتبه التقاعدي حين كنت اصطحبه للبنك... كان المبلغ الذي يتسلمه (196) دينارا و(78) قرشا... واتذكر انه كان يعطيني قسيمة الراتب كي اعرف ما هي الخصومات.. التي حدثت عليه.
أبي امضى اكثر من 30 عاما في الخدمة العامة ، لم يترك مؤسسة الا وخدم فيها... وآخرها كانت شركة مصانع الفوسفات... وفي النهاية كان نتاج ال(30) عاما 196 دينارا فقط... بالمقابل جيمي في اكثر من ساعتين بقليل حصل على 210 دنانير.
أهي الحياة التي تظلمنا؟... أم ذاك الرضى الذي يغـمر القلب.. لم تلوح الشمس خد ''جيمي''.. لكن ابي كان يأتينا في أيام الصيف وقد إكتوى جبينه بالحر... وجيمي يده ناعـمة وأظافره لها طلاء خاص بها ، بالمقابل كانت اصابع أبي تشبه الصخر.
في مدينة عمان وحدها حصل (كوافير) ستاتي في ساعتين من الدلع والغـنج على ما تقاضاه ابي بعد (30) سنة من الخدمة في الدولة.
أصلا هذا زمن ''جيمي'' و زمن مدام سوسن... زمن شيء يسمى ''التئصف''... حتى تعالج المدام شعرها من ''التئصف'' دفعت هكذا مبلغ... وأنا أتذكر أني تأخرت فصلا دراسيا كاملا في الجامعة بسبب العـوز ،وألزمت أبي ان يدفع (120) دينارغرامة تاخير في النهاية عند عودتني لاستكمال الدراسه.
مات والدي... وقلبي ما زال يكتوي بالحسرة اني سببت له هذا الارهاق المادي... ليس مهما اذا ''تئصفت'' اعمارنا ولكن المهم ان لا "يتئصف'' شعر المدام.
لستُ افضل من أبي... بعد سنوات سأرتمي في منزلي.. وربما ستسعـفني قليل من الدنانير التي سيجود بها علي الضمان الاجتماعي... وسيبقى ''جيمي'' في المهنة وسيرتفع سعر معالجة "تئصف'' الشعر وقد يصل لالف دينار.. وقد أطلب من جيمي ان يقبل بتعييني "صبي كوافير" لديه.
سأختصر العمر ، ومن هذه اللحظة سأقدم اعتذاري لابنائي... فشلت أن أكون فاسدً كبيراً... أصلا حتى الفساد يحتاج لاحتراف.. وانا لا اريد التباهي بنظافة اليد... ولكني حاولت ان أكون فاسداً... ولم تسعفني المؤهلات..
فهل يوجد لدى الحكومة علاج يداوي من ( تئصف العُـمر) على ابواب البنوك ؟؟؟؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق